محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
39
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
قال ابنُ حجر : وفي هذا إنكارٌ على النواوي في إنكاره على الغزالي ذكر أبي هريرة في هذا . قلتُ : فيه أنَّ أبا هريرة مجتهد عندَ ابن عباس ، وذكر هذه القصة ابنُ حجر في موضع آخر ، ونسب ذكر أبي هُريرة فيها إلى ابن المنذر . الوجه الخامس : أن كلامَ السَّيِّد إنما هو في تعسيرِ الاجتهاد ، فلو صحّ ما لا طريق إليه من تجهيل هذا الصاحبِ رضي الله عنه لم يلزم من ذلك القولُ بتعسير الاجتهاد ، فإنَّه يمكن قطعاً أن يكون الاجتهادُ سهلاً ، ويكون أبو هريرة غيرَ مجتهد ، لأنَّه ليس في العقل ، ولا في الشرع رابطةٌ قطعية بينَ سهولةِ الاجتِهاد ، وأبي هُريرة رضي الله عنه . ويلتحِق بهذا فائدتان : الفائدة الأولى : أن أبا هُريرة رضي الله عنه ثقة مقبول لا مطعنَ في قبول روايته عندَ أهلِ التحقيق ، وقد أشار الإمامُ المنصورُ بالله عليه السلام إلى ذلك ، وقد كان عابداً صوَّاماً قوَّاماً قانتاً لله ، خاشعاً متواضعاً ، حسنَ الأخلاق ، رفيقاً ، كان لا ينامُ حتى يُسَبِّحَ ألف تسبيحة ، وكان يقوم ثُلُثَ الليل ، ثم كان يقوم ثلثيه ، ثم كان يقومُ اللَّيْلَ كُلَّه ، وكان أميراً في المدينة ، وكان في أيام إمارته يحمل الحطب على ظهره ، ويمضي في السوق ، ويقول : الطريقَ مِن الأمير ، الطريقَ من الأمير ، وكان ممن يسقط مغشياً عليه مِن خوفِ الله جلَّ جلالُه ، وكان مِن نبلاء المهاجرين ، ومِن الصابرين على الشِّدَّةِ مع سيِّد المرسلين ، كان رضي الله عنه يُصْرَعُ بَيْنَ الروضة والمنبرِ من الجوع ، وربما يُظن أنه مجنون ، فيأتي الرجل ، فيجلس على صدره ، فيُشيرُ إليه : ليس هو ما تظن إنما هو الجوعُ ، ومع ذلك لم يتضجَّرْ من الإسلام ، ولا تكلم في أحد من أهل الغِنَى من الصحابة رضي اللهُ عنهم ، كما هو عادةُ كثيرٍ من الفقهاء